محمد بن جرير الطبري
458
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لا تنال بقوَى الأبدان وشدّة الأجسام ، كما ظنه إبليس عدوّ الله . ومُصَرِّح بأن قيلهم لربِّهم ( 1 ) : " أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " ، كانت هفوةً منهم ورجمًا بالغيب ؛ وأن الله جل ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك ، ووقَفَهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رَجْم الغيْب بالظُّنون ، وتبرَّأوا إليه أن يعلم الغيب غيرُه ، وأظهرَ لهم من إبليس ما كان منطويًا عليه من الكبْر الذي قد كان عنهم مستخفيًا ( 2 ) . وقد رُوي عن ابن عباس خلاف هذه الرواية ، وهو ما : - 607 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " لما فرَغ الله من خلق ما أحبّ ، استوى على العرش ، فجعل إبليس على مُلْك سماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ ( 3 ) - وإنما سموا الجنّ لأنهم خزّان الجنة . وكان إبليس مع مُلكه خازنا ، فوقع في صدره كبر ، وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزيّة لي - هكذا قال موسى بن هارون ، وقد حدثني به غيره ، وقال : لمزية لي على الملائكة ( 4 ) - فلما وقع ذلك الكبر في نفسه ،
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ويصرح " ، وسياق الكلام : " تنبئ عن أن قول الله . . . خطاب من الله جل ثناؤه لخاص من الملائكة دون الجميع ، . . ومصرح بأن قيلهم " ، عطفًا على خبر " أن " . ( 2 ) هذا التعقيب على خبر ابن عباس ، دليل على ما ذهبنا إليه في بيان طريقة الطبري في الاستدلال بالأخبار والآثار انظر ص : 453 - 454 . فهو لم يروه لاعتماد صحته ، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " ، إنما هو خطاب فيه لفظ العموم " الملائكة " ، ويراد به الخصوص لبعض الملائكة ، كما هو معروف في لسان العرب . وأن قول هؤلاء الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها . . . " ، لم يكن عن علم عرفوه من علم الغيب ، بل كان ظنًّا ظنوه . وسيأتي بعد ما يوضح مذهب الطبري في الاستدلال ، كما سأشير إليه في موضعه . ( 3 ) في المخطوطة : " الحن " بالحاء ، وتفسيرها التالي يدل على أنها بالجيم . وانظر ما كتبناه آنفًا في ص : 455 التعليق : 1 . ( 4 ) غيره ، الذي أبهمه الطبري هنا ، بينه في التاريخ 1 : 43 ، قال : " وحدثني به أحمد بن أبي خيثمة ، عن عمرو بن حماد " .